السيد كمال الحيدري

555

أصول التفسير والتأويل

وأخرج ابن أبي داود من طريق محمّد بن سيرين عن كثير ابن أفلح قال : لمّا أراد عثمان أن يكتب المصاحف ، جمع له اثنى عشر رجلًا من قريش والأنصار ، فبعثوا إلى الربْعة التي في بيت عمر فجىء بها ، وكان عثمان يتعاهدهم ، فكانوا إذا تدارؤوا في شئ أخّروه . قال محمّد : فظننت أنّما كانوا يؤخّرونه لينظروا أحدثهم عهداً بالعرْصة الأخيرة ، فيكتبونه على قوله « 1 » . وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سُويد بن غَفلة قال : قال علىّ : لا تقولوا في عثمان إلّا خيراً ، فوالله ما فعل في المصاحف إلّا عن ملأ منّا ، قال : ما تقولون في هذه القراءة ؟ فقد بلغني أنّ بعضهم يقول : إنّ قراءتي خيرٌ من قراءتك ، وهذا يكاد يكون كفراً ؟ قلنا : فما ترى ؟ قال : أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد ، فلا تكون فرقة ولا اختلاف ، قلنا : نِعمَ ما رأيت « 2 » . وفى الدرّ المنثور أخرج ابن الضريس عن علباء بن أحمر أنّ عثمان بن عفّان لمّا أراد أن يكتب المصاحف أرادوا أن يلغوا « الواو » التي في براءة وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ . . . ( التوبة : 34 ) قال لهم أبى رضي الله عنه : لتلحقنّها أو لأضعنّ سيفي على عاتقي . فألحقوها « 3 » . ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبّان والحاكم عن ابن عبّاس قال : قلت لعثمان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهى من المثاني ، وإلى براءة وهى من المئين ، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر « بسم الله الرحمن الرحيم » ووضعتموهما في السبع الطوال ؟ فقال عثمان : كان رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم تنزل عليه السور ذواتُ العدد ، فكان إذا نزل عليه الشئ دعا بعض من كان يكتب فيقول : ضعوا هؤلاء الآيات في السور التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل في المدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا ، وكانت قصّتها شبيهة بقصّتها ، فظننتُ أنّها منها ، فقُبض رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ولم يبيّن لنا أنّها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما

--> ( 1 ) المصدر نفسه : ج 1 ص 213 . ( 2 ) الإتقان في علوم القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ص 213 . ( 3 ) الدرّ المنثور ، السيوطي ، مصدر سابق : ج 4 ص 178 .